حيدر حب الله
202
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
وتفرّدُ الراوي بروايات ، خاصّةً لو كان من الطبقات اللاحقة ، قد يمثّل نوعَ ريب في حديثه ، لا سيما مع معارضة ما تفرّد به لما رواه الثقات من طرق أخرى ، رغم أنّ حديثه صالح وليس فيه فساد مضموني ولا لفظي ، وسبب ذلك أنّ تفرّد شخص بنقل معين له حالتان : فتارةً يكون بسبب أنّ المنقول عنه لم يلتقِ إلا بعدد قليل من الناس ، ولم يُعرف له إلا راوية أو راويتين ، وهنا من المعقول جداً أن ينفرد الراوي عنه ببعض المنقولات عنه التي لا يعرفها غيره ، وتارةً أخرى يكون المنقول عنه شخصاً معروفاً ينقل عنه كثيرون أفكاره وكلماته ، بحيث يلقيها على الناس عادةً ، ثم يأتي شخص بمنقولات عنه لا تُعرف عنه أبداً ولم ينقلها أو مثيلها أحد عنه من قبل رغم كثرة الناقلين عنه ، بل قد يكون نقلهم فيه نحو معارضة له ، فهنا يكون الانفراد - خاصّة لو كان الناقل غير استثنائيّ في علاقته بالمنقول عنه - موجباً لشيء من الريب ، لا يبلغ حدّ الضعف الكامل بالضرورة ، لكنّه يوضع كقرينة في مصاف قرائن الضعف ، ويمكن أن يجتمع مع صفة صلاح الرواية ؛ لأنّ مضمون وكيفيّة هذا النقل المتفرّد به يمكن أن يكون صالحاً ومنسجماً مع الخطوط الدينية العامّة ، لكنّ الانفراد أوجب قلقاً ، خاصّة لو عارضته أخبار الثقات . ولهذا فمن تكون رواياته كذلك يكون أمره ملتبساً ؛ لأنّه موجب للريب والشكّ فيه ، فمن أين له هذه المرويّات دون غيره ، خاصّة لو عارضت روايات غيره ؟ ! ولو رجعنا إلى أدبيات علوم المصطلح عند أهل السنّة ، سنجد هذا المفهوم موجوداً ، يقول ابن الصلاح في النوع الرابع عشر من أنواع الحديث : « معرفة المنكر من الحديث ، بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ أنّه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرف متنه من غير روايته ، لا من الوجه الذي رواه ولا من وجه آخر ، فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصّل . وإطلاق الحكم على التفرّد بالردّ أو النكارة أو الشذوذ ، موجودٌ في كلام كثير من أهل الحديث » « 1 » . وقد أفيد أنّ أحمد بن حنبل والترمذي ومسلم بن الحجاج كان
--> ( 1 ) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 80 ؛ وانظر للمقارنات : المصدر نفسه : 76 - 79 ، 88 - 89